المقريزي

48

المقفى الكبير

ثمّ إنّ الآمر ردّ الأمر إلى جوامرد قبل قتله بقليل . فتحدّث في المظالم ، ونظر في أحوال الجند ، وصار كأنّه في شيء من أمر الوزارة ، وطمع في الوزارة . فلمّا قتل الآمر أشاع أنّه عهد أن يكون ابن عمّه أبو الميمون عبد المجيد [ العسقلاني ] « 1 » كفيلا لحمل في بطن بعض جواريه . وعضده رفيقه برغش حتّى قاما بأمر أبي الميمون وأجلساه كفيلا ، ونعت بالحافظ لدين اللّه « 2 » . وبايعه الناس يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة ، وخلع على جوامرد خلع الوزارة . واشمأزّت نفسه من الأمير السعيد أبي الفتح يأنس متولّي الباب وأراد القبض عليه . فغمز [ ه ] برغش وأومأ إليه بالخروج من القصر ، وكان ذلك سببا لسلامته « 3 » . وعندما دفن الآمر بكّر « 4 » الجند إلى القصر ، وقد داخل برغش الحسد لجوامرد على الوزارة وشقّ عليه تقدّمه ، [ ف ] تحيّل [ 306 أ ] حتى أخرج أبا [ عليّ ] كتيفات أحمد ، ابن الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش بدر الجمالي من القصر إلى الأجناد . فعند ما رأوه تعلّقوا به وقالوا : ما يكون الوزير إلّا ابن الأفضل ! - وقاموا بدعوته وحصروا القصر ، ونصبوا السلالم إلى المنظرة ، وصعد إليها الأمير [ . . . ] « 5 » ابن شاهنشاه ، وقال للأستاذين : يا قوم ، هذه فتنة تقوم ما يسواها « 6 » هذا الذي خلعتم عليه ، ويحصل من ذلك [ 403 ب ] على الخليفة من العوامّ « 7 » وسوء أدب جهّال العسكر ما لا يتلافى . وما هذا منّي واللّه إلّا نصيحة لمولانا ، فإنّني قد علمت من رأي القوم ما لا علمتم . أخبروا مولانا عنّي بهذا . فلمّا بلغه ذلك قال لجوامرد وهو بخلع الوزارة بين يديه : ها أنت تسمع ما يقال . فقال : يا مولانا ، أنا في محلّك ، ووزارتي بوصيّة خليفة قبلك ، فاتركني أخرج لهؤلاء الفعلة الصنعة ! فقال له الحافظ : لا سبيل إلى فتح باب القصر في مثل هذا الوقت ، وقد فعلنا في أمرك ما رتّب لك ، وهذه الخلع عليك . ولكن قد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليه : لا رأي لمن لا يطاع . واشتدّ الأمر وعظم تموير « 8 » العسكر ، فقيل لابن شاهنشاه : « قد أجبتم إلى وزارة أبي عليّ » . فلمّا بلغ ذلك لرضوان « 9 » وأصحابه قالوا : قل له يسلّم لنا جوامرد ! فامتنع الحافظ من تسليمه حتى تكاثروا على

--> ( 1 ) ولد عبد المجيد بعسقلان في المحرّم 507 ، فكان يقال له العسقلانيّ ( اتّعاظ 3 / 137 ) . ( 2 ) ذكر المقريزيّ في الخطط 1 / 406 هذا التصرّف من جوامرد وبرغش « العادل » ، والآمر قتل سنة 524 . ( 3 ) الضمائر هنا ملتبسة والتعبير غامض . والرواية أكثر وضوحا في الاتّعاظ . ( 4 ) في الاتّعاظ 3 / 137 : اجتمع بين القصرين خمسة آلاف فارس وراجل ، وعليهم رضوان بن ولخشي أحد الأمراء أرباب الشجاعة . ( 5 ) في الاتّعاظ : وأطلعوا على المنظرة أميرا يقال له ابن شاهنشاه ، ولعلّه أخ لكتيفات . ( 6 ) هكذا في المخطوط ، ولعلّه تعبير عامّيّ بمعنى : لا يستحقّها . ( 7 ) في المخطوط : من الغرامة ، وأخذنا بقراءة ناشر الاتّعاظ 3 / 138 . ( 8 ) في المخطوط : غوير ، ولم نجدها في معنى الجلبة والتمرّد ، وقرأها ناشر الاتّعاظ ( هامش 1 ) : تموير وشرحها بالاضطراب والتحرّك . ( 9 ) رضوان بن ولخشي . ولم ينتبه المقريزيّ إلى أنّه لم يذكره فيما سبق ، كأنّه يعتمد على روايته في الاتّعاظ .